تعريف القتل وتقسيماته:
يعرف جريمة القتل في الشريعة الإسلامية كما يعرف في القوانين الوضعية بأنه فعل من العباد تزول به الحياة أي إزهاق روح آدمي بفعل آدمي آخر.
أنوع القتل في الشريعة الإسلامية:
والقتل في الشريعة أصلاً على نوعين:
قتل محرم: وهو كل قتل عدوان.
قتل بحق: وهو كل قتل لا عدوان فيه كقتل القاتل والمرتد.
أنواع القتل من حيث الحل والحرمة لدى الفقهاء:
وأن بعض الفقهاء يقسم القتل من حيث الحل والحرمة إلى خمسة أقسام:
١ - واجب وهو قتل المرتد إذا لم يتب والحربي إذا لم يسلم أو يعط الأمان.
٢ - محرم: وهو قتل المعصوم بغير حق.
٣ - مكروه: وهو قتل الغازي قريبه الكافر إذا لم يسب الله ورسوله وأن سبها لم يكره قتله.
٤ - مندوب: وهو قتل الغازي قريبه الكافر إذا سب الله ورسوله.
٥ - مباح: ومثله مثل المقتص وقتل الأسير على أن قتل الأسير كما يرى البعض قد يكون واجبا إذا ترتب على عدم قتله مفسدة ومندوباً إذا كان فيه مصلحة بل يحتمل الوجوب مطلقاً إذا اضطرت المصلحة (١).
أقسام القتل:
ويقسم الفقهاء القتل تقسيمات تختلف بحسب وجهة نظر كل منهم كالتالي:
أولاً: التقسيم الثنائي:
يقسم بعض الفقهاء القتل إلى قتل عمد وقتل خطأ ولا وسط بينهما.
قتل عمد:
والقتل العمد عند هؤلاء هو كل فعل ارتكب بقصد العدوان إذا أدى إلى موت المجني عليه سواء قصد الجاني القتل أو لم يقصده وبشرط أن لا يكون الفعل قد وقع على وجه العب أو مقصوداً به التأديب ممن له حق التأديب.
قتل خطأ:
والقتل الخطأ هو ما لم يكن عمداً وهذا هو مشهور مذهب مالك.
ثانياً: التقسيم الثلاثي:
حيث يقسم معظم الفقهاء القتل إلى ثلاثة أقسام وهي :
١ - قتل عمد:
وهو ما تعمد فيه الجاني الفعل المزهق قاصداً إزهاق روح إنسان المجني عليه.
٢ - قتل شبه عمد:
وهو ما تعمد فيه الجاني الاعتداء على المجني عليه دون أن يقصد قتله إذا مات المجني عليه نتيجة للاعتداء ويسمى شراح القوانين الوضعية هذا النوع من القتل بالضرب المفضي إلى الموت.
٣ - قتل خطأ:
ويكون في حالات;
أولها: إذا تعمد الجاني الفعل دون أن يقصد المجني عليه كمن يرمي عرضاً فيصيب شخصاً وتسمى هذه الحالة الخطأ في الفعل.
وثانيها: إذا تعمد الجاني الفعل وقصد المجني عليه على ظن أن الفعل مباح بالنسبة للمجني عليه ولكن تبين أن المجني عليه معصوماً كمن يظن في من يظنه جندياً من جنود الأعداء فإذا هو مسلم أو معاهداً أو ذمي ونسمي هذه الحالة الخطأ في القصد.
وثالثها: أن لا يقصد الجاني الفعل ولكنه يقع نتيجة تقصيره كمن ينقلب وهو نائم على آخر فيقتله.
رابعهما: أن يتسبب الجاني في الفعل كمن يحفر حفرة في الطريق فيسقط فيها أحد المارة ليلاً يؤدي السقوط إلى وفاته.
ثالثاً: التقسيم الرباعي:
ويقسم بعض الفقهاء القتل إلى أربعة أقسام.
١ - قتل عمد.
٢ - قتل شبه عمد.
٣ - قتل خطأ.
٤ - ما جرى مجرى الخطأ.
والعمد وشبه العمد عند أصحاب هذا التقسيم لا يختلفان عما هي عليه في التقسيم السابق (التقسيم الثلاثي) فالخلاف عندهم منحصر في الخطأ لا غير.
والخطأ عند هؤلاء ما يكون في نفس الفعل أو في ظن الفاعل فالأول لا يقصد الفعل ولا يقصد الشخص كمن يرمي صيداً فيصيب شخصاً والثاني أن يقصد أن يقصد من يظنه مباح القتل كحربي أو مرتد فإذا هو معصوم.
أما ما جرى مجرى الخطأ فنوعان:
١) نوع هو في معنى الخطأ من كل وجه وهو أن يكون القتل على طريق المباشرة كأن ينقلب النائم على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده عن غير قصد..
٢) ونوع هو في معنى الخطأ من وجه واحد وهو أن يكون القتل عن طريق التسبيب كمن يحفر حفره في طريق ولا يتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع المارة ليلاً من السقوط فيها فيسقط فيها شخص ويموت من سقطته ..
إن هذا التقسيم لا يختلف عن سابقة في شيء إلا في أنه يقسم ما اعتبره التقسيم السابق خطأ إلى قسمين أحدهما الخطأ والثاني ما جرى مجراة.
رابعاً: التقسيم الخماسي لجرائم القتل:
يقسم بعض الفقهاء القتل خمسه أقسام :
١ - عمد.
٢ - شبه عمد.
٣ - خطأ.
٤ - ما جرى مجرى الخطأ.
٥ - القتل بالتسبب.
والفرق بين هذا التقسيم والتقسيم السابق:
أن أصحاب هذا التقسيم الخماسي يفرقون بين الفعل المباشر والقتل بالتسبب ويجعلون الأخير قسماً مستقلاً وحجتهم في ذلك أن الفعل القاتل أما أن يكون مباشراً من الجاني أو متولداً عن فعله وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل في ا لعاثر بالحجر والواقع في البئر لا مباشرة ولا متولداً فلم يكن قاتلاً في الحقيقة وإنما يمكن اعتباره قاتلاً بالتسبب إن هذه التقسيمات يظهر من خلال استعراضها أن التقسيم الثنائي يختلف عن باقي التقاسيم ذلك لأنه لا يعترف بالقتل شبه العمد وأن الخلاف بين التقسيمات فيما عدا ذلك خلاف ظاهري.
التقسيم الذي أخذ به القانون اليمني:
ولما كان التقسيم الثنائي هو اشهر التقاسيم فقد أخذ به قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م كما كان سائداً في ظل قانون العقوبات رقم ٣ لعام ٧٦م في المحافظات الجنوبية والشرقية كما أن هذا التقسيم الثنائي نجده سائداً في بعض القوانين الوضعية لكثير من الدول العربية في تقسيم جرائم القتل إلى جريمة قتل عمد وخطأ أي جرائم عمدية وجرائم غير عمدية.
الأركان العامة للجريمة ويدخل فيها جرائم القتل:
مدى إختلاف الركن العام في كل جريمة عن الأركان الخاصة بكل جريمة:
الجريمة أياً كانت لكي يسأل عنها فاعلها لا بد من أن تتوفر أركانها العامة والأركان الخاصة بها وحتى يمكن توقيع العقوبة جزاء على كل جريمة لا بد من تحقيق الأركان العامة للجريمة والأركان الخاصة للجريمة.
أن الركن العام في كل جريمة لا يختلف باختلاف نوع الجريمة أما الأركان الخاصة بها تختلف باختلاف نوع الجريمة فأركان جريمة السرقة تختلف عن أركان جريمة القتل وعن أركان جريمة الزنا وعن أركان جريمة القذف وهكذا و تمشيا مع منطق البحث فإنه من الضروري معرفة الأركان العامة للجريمة التي تدخل فيها جريمة القتل ومعرفة الأركان الخاصة لجرائم القتل باعتبارها موضوع المقال.
الأركان العامة للجريمة الجنائية:
أن هذه الأركان العامة للجريمة الجنائية في القوانين الوضعية لا تختلف عنها شرعاً وهي تتحدد في:
١ - الركن الشرعي أو القانوني.
٢ - الركن المادي للجريمة.
٣ - الركن المعنوي.
وسوف نتناولها بشيء من التفصيل مع الوضوح لأهميتها:
الركن الأول: الركن القانوني أو الشرعي:
مبدأ المسؤولية الجنائية شخصية:
وهو النص القانوني الذي يحرم الفعل ويضع العقاب له مع عدم وجود سبب تبرير للجريمة وقد أخذ القانون اليمني بهذا الاتجاه ذلك لأن القانون اسبق من الجريمة حيث يحدد الأنموذج القانوني لها وهذا التحديد يقوم به المشرع سلفاً ليتركه بين يدي القاضي لكي يطبقه في كل حالة على حدة حتى إذا ما توافر هذا النص عند تطبيقه للقانون وفق الحالة المعروضة عليه كشف القاضي عن وجود الجريمة والعقاب المقرر لها وقد جاء في نص المادة (٤٧) من الدستور (المسئولية الجنائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو قانوني وكل متهم برئ حتى تثبت أدانته بحكم قضائي بات ولا يجوز سن قانون يعاقب على أفعال بأثر رجعي لصدوره).
كما تجسد هذا المبدأ في المادة (٢) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م ونصها ( المسئولية الجزائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون..)
وهذه النصوص تعبر عن المشروعية أي قانونية الجرائم والعقوبات والمفهوم الواسع له يتحدد في المراعاة الدقيقة للقوانين والتقيد الحازم لها وللمشروعية في المجال الجنائي لها أهمية خاصة نظراً لما ينطوي عليه هذا المجال من تقييد حريات الإفراد بحدود تتمثل في الجرائم التي يجب الأحجام عن مقارفتها وارتكابها خشية العقاب المقرر لها.
مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون:
ومفهوم الشرعية الجنائية إذن هو أن يعلم كل إنسان في المجتمع ما هو محظور عليه تحت وصف الجرائم وما يتعرض له في التحقيق الجنائي والمحاكمات أمام المحاكم الجنائية من إجراءات تمس الحريات وذلك حتى يعرف حدود حريته في العمل والتصرف كما تعرف الدولة حدود وظيفتها وسلطاتها في مكافحة الجرائم والمخالفات خدمة للمجتمع وأصبح واضح تماماً بأن مبدأ القانونية يجب أن يسود وأن يهيمن القانون سواء كان مصدره الدستور أم السلطة التشريعية على التجريم والعقاب مهما كانت درجته وقد أكد الدستور الوطني هذا الجانب بان أشار بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون فهذه العبارة أكدت بأن يجي النص الجنائي أما في صورة القانون أو ما في حكمها وأما بتفويض من القانون للأجهزة التنفيذية والهيئات الإدارية بشكل قرارات أو لوائح..
النتائج اللازمة لتطبيق مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات:
أن عمل القاضي في القضايا الجنائية هو تطبيق النصوص الجنائية على الوقائع المعروضة وأول ما يتحتم على القاضي في الجرائم والمخالفات عند إصدارهم أحكاماً بالإدانة المعتمدة على الأدلة والبينات وأن يعينوا النص أو النصوص الجنائية التي يستندون بها في هذا الحكم أو ذاك فلا يجوز أن يصدر حكماً بالإدانة استناداً إلى العرف أو التوجيهات المركزية أو التعليمات من هذا المسئول أو ذاك أو تحت مبررات مقتضيات المصلحة العامة والدفاع عن المجتمع أو الحد من تلافي ارتكاب مخالفات خاصة ولو سمحنا بذلك وفق هذه الرغبات فإن ذلك يعد ويخلق أوضاعاً قانونية تخالف المفهوم الصحيح للشرعية أوضاعاً أوضاعاً قانونية تخالف المفهوم الصحيح للشرعية ومن شان ذلك تمكين القاضي من التشريع أي إنشاء الجرائم خلافاً لذلك المبدأ لهذا فالشرط الأول على كل قاضي أن يتقيد بالنص المحدد لهذه الجريمة أو المخالفة عند الإدانة.
وفي الشق الثاني من مبدأ قانونية الجرائم فأن القاضي ملزم بما حدده النص الجنائي أو المخالفة من عقاب ووفق هذا الفهم فأنه لا يجوز للقاضي أن يوقع عقاب أخر غير الذي عينه وحدده النص أو الزيادة في العقاب المقرر أو جعله محلا للاجتهاد على أية صورة من الصور الأخرى فمثلاً إذا كانت العقوبة المنصوص عليها هي الغرامة فلا يجوز للقاضي أن يوقع عقوبة الحبس مثلاً أو الحبس مع وقف التنفيذ أو إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الإعدام أن توقع المحكمة عقوبة الحبس بحد أعلى لا يجاوز خمس عشرة سنة وبحد أدنى لا يقل عن خمس سنوات من هذه النصوص يتضح جلياً أن أول خطوة على القاضي الجنائي بوجه عام هي التثبت من البراءة للبري أو إدانة المجرم والتي يتمثل فيها معنى العدالة الجنائية وفي إطار وظيفته الاجتماعية والإنسانية وفق المفهوم العلمي الحديث للقانون الجنائي.
من أهم النتائج أيضاً القضاة مطالبون بالامتناع عن تطبيق النصوص الجنائية المتضمنة من شأنه أن يجعلها تسري على الماضي لانه أن فعل فإنه يصل إلى التجريم بطريق غير مباشر ما دام سيعاقب أفعالاً كانت مباحة وقت حدوثها وهذا هو التجريم بعينة وقاعدة عدم الرجعية التي هي جزءاً لا يتجزأ من المبدأ تلزم القضاة كما تلزم المشرع نفسه.
عدم جواز التفسير مع وضوح النص المجرم للفعل:
ومقتضى ذلك أن القضاة عليهم تطبيقه كما هو مهما بدت له نتائج هذه التطبيق شاذة لا يسيغها المنطق أو خفيت عليه حكمه الشارع وهذا يتمشى مع القول بأن لا مساغ للاجتهاد في مورد النص ... ).
حالة أن يكون النص غامضاً لعيب في صياغته أو تعارضه أو تضاربه مع نص أخر وفي هذه الحالة يجب السعي إلى تجلية هذا الغموض لمعرفة شروحاته والاجتهادات حوله بما يكشف حقيقة مدلوله.
أن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات ضمانة لا معدى عنها وهي حماية لحقوق وحريات الأفراد وسلامة أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم ضد كل طغيان محتمل صادر من فاعل في قضية جنائية والمحاكم هي المعنية والمنوط بها تقرير هذه الحماية من خلال إصدار أحكامها العادلة بإجراءات سريعة تتوفر فيها جميع ضمانات الرابطة الإجرائية.
الركن الثاني: الركن المادي:
وهو ركن عام لانه لا جريمة دون سلوك إنساني وهو مطلوب في أي جريمة دون توقف عند تسميتها هل هي جريمة قتل أم إجهاض أم إيذاء جسماني أم سرقة .. أن هذا الركن المادي هو ما يعبر عنه ماديات الجريمة أو المظهر الخارجي وهو الفعل الجرمي ومن المسلم به أن لا جريمة بدون ركن مادي لانه كما قلنا المظهر الخارجي للجريمة وبه يتحقق الاعتداء على المصلحة المحمية قانوناً وعن طريقه تقع الأعمال التنفيذية للجريمة من أجل هذا فأن التحقق من الركن المادي وتوافره هو الشرط الأساسي للبحث في مدى توفر الجريمة من عدمها .. فإذا كان الركن المادي متوفراً وتاماً ويترتب عليه نتيجة كانت الجريمة تامة وإذا وقف عند حد معين أو لم تتحقق النتيجة المقصودة كانت الجريمة غير تامة أو شروعاً في ارتكابها.
عناصر الركن المادي في الجريمة التامة:
على أن الركن المادي في الجريمة التامة له عناصر أساسية تتمثل في السلوك الجرمي والنتيجة الجرمية والصلة السببية بينها وهذه العناصر نوضحها في التالي:
أولاً : العنصر الأول : وهو السلوك الجرمي:
حيث لا بد في كل جريمة من سلوك يصدر عن المجرم ويخشى المشرع منه ضرراً ، فما لم يصدر من الفاعل سلوك في صورة من صورة لا يتدخل القانون بالعقاب فالإنسان قبل أن يقدم على الجريمة يفكر فيها ويصمم على ارتكابها وإلى هذا الوقت لا يأتي سلوكاً ممنوعاً ولكن وضعه يختلف عندما تخرج الفكرة إلى حيز الوجود بالقيام بالعمل التنفيذي المكون للجريمة ويتفرع عن هذا العنصر المسائل التالية :
أ. السلوك الإيجابي أو الفعل:
ويكون السلوك إيجابياً في صورة فعل إذا استخدم الفاعل فيه أعضاء جسمه كما لو استعمل يديه في ارتكاب جريمة القتل وقد يكون السلوك الإيجابي حركة واحدة كضربه واحدة بعصا غليظة على الرأس أو إطلاق رصاصة على المجني عليه وقد يكون عدة حركات عضلية إرادية تستند إلى قرار واحد كمن يطلق عدة رصاصات على آخر ليقتله أو يستمر في طعنه حتى يموت وهذه الجرائم التي تقع بالسلوك الإيجابي أي الجرائم الإيجابية والقاعدة أن القانون إذا كان يهتم عادة في الجرائم الإيجابية يبين النتيجة الضارة بالعقاب فإنه لا يعتد بالوسيلة الوحشية التي يلجأ إليها الفاعل للوصول إلى هذه النتيجة فجميع الوسائل لديه سواء إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك فالقانون يتكلم عن القتل والإيذاء الجسيم المفضي إلى الموت والسرقة مثلاً كنتائج لأنواع من السلوك الجرمي ولا يهتم بالوسيلة التي حققت تلك النتائج.
فيستوي في أحداث القتل العمد أن يكون بطلق ناري أو بأداة بطبيعتها قاتلة أم غير قاتلة كعصا رفيعة كما يستوي أن تستخدم فيه حيوان مفترس أو تهيئة الأسباب المؤدية إلى الموت كمن يصنع لخصمه عبوة ناسفة تنفجر عند أول حركة للمجني عليه بل أن الوسائل المعنوية أو ذات الأثر النفسي تصلح أيضاً لتحقق القتل كأحداث الرعب الشديد لمريض بالضغط أو القلب عن طريق الكذب عليه بأن أبنه قد توفي لكي يصاب بنوبة قلبية تؤدي بحياته أو تهديد الجاني للمغدور بشكل مروع ينتج عنه انفعال عصبي يؤدي إلى توقف العضلة القلبية وبالتالي إلى وفاته.
وفي هذا الاتجاه فقد نهج التشريع اليمني على هذا المنوال كما يستفاد ذلك من نص المادة (٩) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م.
ب. السلوك السلبي أو الامتناع (جرائم الامتناع):
إذا كان الأصل كما هو ملاحظ من نص المادة (٨،٩) من قانون الجرائم والعقوبات أنه ينهي عن إتيان فعل مجرم بالكف عن القتل أو السرقة مثلاً فأنه في بعض الأحوال يأمر بالقيام بعمل ويعاقب عنه حماية للمواطن ويسمى هذا السلوك السلبي الامتناع أو الجريمة السلبية أو جريمة الامتناع وقد عبر عنه قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م في المادة (١٠،٧) وهي كلها تسميات لمدلول واحد ومن أمثلة ذلك الامتناع عن أغاثه شخص في حالة الخطر بسبب حادث طارئ أو بسبب صحي بفعل شخصي أو بطلب النجدة دون التعرض للخطر وامتناع الموظف المكلف بالبحث عن الجرائم أو ملاحقتها عن الأخبار عن الجرائم المعلومة منه ففي مثل هذه الحالات وحالات الامتناع الأخرى معاقبة في قانون الجرائم والعقوبات تكون أمام جرائم امتناع لأن النص الجزائي ألزاء الشخص القيام بموجب معين تحت طائلة توقيع الجزاء عليه إذا امتنع عما طلب منه وتتميز جريمة الامتناع بأنها عبارة عن حالة امتناع محددة العناصر في نص من النصوص الجزائية وهي معاقبة لمجرد امتناعاً فقط ودون اشتراط أي نتيجة مادية تترتب عليها أن العقاب متوقف على مجرد هذا الامتناع ودون تطلب حدوث نتيجة كان الوفاة أو الإيذاء الجسيم أو المرض عن هذا الامتناع.
ويلاحظ في صدد جرائم الامتناع أنه لا بد ومن ورود نص تشريعي بالعقاب على حالة الامتناع المبحوثة إذا لا جريمة ولا عقوبة بدون نص سواء بالنسبة للفعل أو عدم الفعل كما أن القياس فيها غير جائز إذ لا يجوز إعطاء حكم في حالة الامتناع ورد النص بها على حالة متشابهة متحدة معها في العلة لكن المشرع لم يخصص لها نصاً.
ج. السلوك بالترك أو بالامتناع (الجرائم بالامتناع):
يوجد نوع من السلوك يتوسط بين المظهرين الإيجابي والسلبي وهو الذي يرتكب بالترك أو بالامتناع والذي يعبر عنه بالجريمة الإيجابية التي تقع بالامتناع أو الجريمة بالامتناع وتتميز جرائم الامتناع بأنها إيجابية أي يتطلب القانون فيها مجرد حالة مادية تظهر في العالم الخارجي بسبب الامتناع وليست هي مجرد حالة امتناع سلبية معاقبة لأنها كذلك ... ومثال ذلك حالة الأب الملزم قانوناً بالعناية بأولاده القصر فلا يقدم الطعام لهم ولا الدم ولا الدواء ولا الرعاية اللازمة فيصابون بمرض أو يموتون أو يكونوا عرضه للانحراف كما هو منصوص عليه في المادة (١٥٥) من قانون حقوق الطفل رقم (٤٥) لعام ٢٠٠٢م وحالة الطبيب والممرضة وكل من كان ملزماً قانوناً بالعناية والرعاية بالمرضى فيمتنع عن القيام بما التزم به فتحقق نتيجة مادية ضارة هي الوفاة أو الإيذاء ففي هذين المثالين قد تقع الجريمة الإيجابية الحاصلة بالامتناع أما قصداً أو عن طريق الإهمال والواقع أن الرأي الغالب في الفقه والاجتهاد يذهب إلى أن الجرم بالامتناع لا يتصور إلا في حالة وجود نص جزائي يساوي بين الفعل وعدم الفعل أو الترك لجهة الركن المادي أو متى كان الامتناع إخلالاً بموجب أو التزام يفرضه القانون.
د. السلوك بفعل إيجابي وامتناع سلبي بذات الوقت:
ثانياً: النتيجة الجرمية:
أ. جرائم النتائج المادية أو الجرائم المادية:
ب. الجريمة الشكلية بدون نتيجة مادية:
بعض النتائج القانونية المترتبة على التمييز بين الجريمة المادية والجريمة الشكلية:
ثالثاً: العنصر الثالث من عناصر الركن المادي وهو العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة:
معنى السببية:
وهذه العلاقة لا صعوبة فيها إذا ما نتجت من فاعل لوحدة حتى لو تفاقمت نتائجها فلو قام الجاني بجرح إنسان وطالت معالجة المجني عليه ثم مات فإن الفاعل يظل مسئولاً جنائية عن القتل في حدود نيته طالما أن الوفاة حصلت بسبب الجرح ولم يحدد القانون اليمني مدة معينة لحدوث الوفاة يعاقب بالعقوبة المحددة ينص المادة (١٠) عقوبات.
نظرية السبب الأقوى:
نظرية التعادل:
نظرية السبب الملائم:
أما إذا كانت النتيجة لا تنسب إلى سلوك الفاعل وفقاً للمجرى العادي في الحياة بأن كانت مسنده إلى سبب آخر وكانت ترجع إلى عامل شاذ لا يقع عادة فإن رابطة السببية بين سلوك الجاني أو النتيجة التي حصلت تكون منتفية فلا يسأل عنها .. ولكنه يسأل عن سلوكه إذا كون جريمة أخرى وقد أخذ المشرع اليمني بنظرية السببية الملائمة أي بمعيار السبب الملائم أو المناسب فقد نصت المادة (٧) من القانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م بشأن الجرائم والعقوبات بأنه:( لا يسأل شخص عن جريمة يتطلب القانون لتمامها حدوث نتيجة معينة إلا إذا كان سلوكه فعلاً أو امتناعاً هو السبب في وقوع هذه النتيجة وتقوم رابطة السببية متى كان من المحتمل طبقاً لما تجري عليه الأمور في الحياة عادة أن يكون سلوك الجاني سبباً في وقوع عامل يكون كافياً بذاته لأحداث النتيجة وعندئذ تقتصر مسئولية الشخص عن سلوكه إذا كان القانون يجرمه مستقلاً عن النتيجة).
تطبيقات القضاء في توضيح العوامل التي تنفي علاقة السببية:
١) الحساسية الخاصة بجسم المجني عليه:
٢) تعمد المجني عليه تسؤى مركز المتهم:
مضي فترة من الزمن بين الفعل والنتيجة، الضعف الشيخوخي للمجني عليه المرض السابق للمجني عليه على الفعل سقوط المجني عليه أرضاً بناءً على فعل المتهم وأصابته تأثراً بذلك وإهمال المجني عليه علاج إصاباته وتراخيه في تعاطي العلاج، المرض اللاحق على الفعل، رفض المجني عليه إجراء العملية الجراحية التي تقتضيها حالته.
ثالثاً: الركن المعنوي للجريمة:
وهو مجموعة السمات الواضحة للجانب الداخلي (النفسي) من الاعتداء الإجرامي وهي أيضاً معايير قانونية جنائية ويعد الخطأ الأساسية في الركن المعنوي للجريمة فالخطأ هو معيار نفسي اجتماعي قانوني وهو عبارة عن علاقة الشخص النفسية بالجريمة المرتكبة من قبله والنتائج المترتبة عليها.
فقد نصت المادة (٨) من القانون ( لا يسأل شخص عن جريمة إلا إذا ارتكبها (عمداً) أو بإهمال .. )
ويتضح من هذه النصوص أنه لا يكفي لقيام الجريمة قانوناً أن يقوم الفاعل بارتكاب الفعل المادي فيها وإنما يلزم أيضاً توافر رابطة نفسية بين الفاعل وما ديات الجريمة هذه الناحية النفسية هي الركن المعنوي للجريمة فمعرفة الحالة النفسية التي حدت بإنسان عاقل إلى ارتكاب هذا الفعل يصبح لزاماً على القاضي أن يعيد الحالة النفسية التي كانت تختلج في ذهنية الفاعل أثناء ارتكاب الفعل المادي الظاهر الأمر لكي يستطيع محاسبته معنوياً على الجريمة.
عناصر القصد الجنائي:
عنصر العلم في القصد:
عنصر الإرادة في القصد:
وفي هذا المفهوم نصت المادة (٩) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م يقع القصد الجنائي في الحياة العملية في عدة صور أو عدة أنواع أهمها:
صور القصد الجنائي:
ثانياً: الخطأ الجزائي غير المقصود أي الخطأ غير العمدي:
تعريف الخطأ غير العمدي:
صور الخطأ غير المقصود:
١. الإهمال:
٢. الرعونة:
٣. التفريط:
٤. عدم مراعاة القوانين والأنظمة:
الأركان الخاصة لجريمة القتل:
عرفنا فيما تقدم الأركان العامة للجريمة التي تتواجد في أي جريمة أياً كان نوعها وأياً كانت طبيعتها
أما الأركان الخاصة فهي التي يتطلبها القانون بصدد كل جريمة على حدة وتضاف إلى الأركان العامة لتعطي الجريمة اسماً قانونياً يميزها عن غيرها من الجرائم ، فالركن المادي للجريمة ركن عام لانه لا جريمة دون سلوك أنساني وهو مطلوب في أي جريمة دون توقف عن تسميتها هل هي جريمة قتل أم جريمة إجهاض أم جريمة إيذاء جسيم أم جريمة سرقة.
أما الركن الخاص في الجريمة فهو صورة الركن المادي أو عناصره الأساسية ففي جريمة القتل الذي يختلف عنه في جريمة الإجهاض يكون في القتل إزهاق روح إنسان وفي الإجهاض تطريح المرأة الحامل ومن اجل ذلك لزم أن يرافق الأركان العامة للجريمة أركانها الخاصة بها حتى يمكن توقع العقوبة المنصوص عليها في القانون.
لقد أجمعت المذاهب الشرعية أن جرائم القتل العمد يجب أن تتوافر فيها الأركان العامة والأركان الخاصة بها فالأركان الخاصة شرعاً كما يتضح من أقوال فقهاء المذاهب الإسلامية هي :
أ. أن الفعل الجنائي مخالف للقانون.
فإذا توافرت الأركان العامة وعناصر الركن المادي في الجريمة أي الأركان الخاصة ولم يكن الفعل واقعاً في حال من أحوال الإباحة كاستعمال الحق أو الدفاع الشرعي وغيرها من الظروف القانونية المخففة فأن جريمة القتل العمد في صورته المحددة في المادة (٢٣٤) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م يكون قد استجمعت عناصرها ويعاقب الجاني بالإعدام قصاصاً / ويشترط الحكم بالقصاص أن يطلبه ولي الدم وأن يتوافر دليله الشرعي.
١- أن يكون المجني عليه آدمياً حياً
٢- أن يكون القتل نتيجة لفعل الجاني بمعنى أن يكون موت المجني عليه نتيجة لعل الجاني
٣- أن يكون الجاني قاصداً أحداث موت المجني عليه
وفي القوانين الوضعية العربية ومنها القوانين اليمنية رقم (٣) لعام ١٩٧٦م والقانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م فقد حددت الأركان الخاصة لجرائم القتل في التالي :
ب. الفعل الجنائي / النشاط المادي
ج. النتائج الإجرامية الناتجة عن الفعل / إزهاق الروح
٤- رابطة السببية بين الفعل والنتائج المترتبة عليها ( علاقة السببية)
جرائم القتل في اليمن في ظل القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م والقانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م
جرائم القتل المرتكبة باليمن عديدة ومتنوعة وهي في تزايد مستمر نظراً لظروف الحياة الصعبة والمعقدة وضعف الوعي الاجتماعي والقانوني بين أوساط المواطنين إلى جانب تأثر المواطنين بالخارج وما يشاهده من أفلام بوليسية خطيرة أو ما يسمعه أو يقرأه في الصحف والمجلات من أخبار وحكايات بشأن القتل وقد مرت اليمن خلال الفترة من الاستقلال إلى يومنا هذا إلى تجربتين تشريعيتين بشأن تطبيق قانون الجرائم المرتكبة وعلى هذا سنتناول :
أولاً : جرائم القتل وفقاً للقانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م:
١- القتل العمد:
وقد أخذ القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م بهذا الاتجاه وفرق بين جريمة القتل العمد مع توافر ظروف مشددة المادة (١٢٩) فقرة (١) وجريمة القتل العمدي القتل البسيط المادة (١٣٠) وجريمة القتل تحت تأثير الهياج النفسي العنيف المادة (١٣١) فقرة (١) و(٢) من قانون العقوبات رقم (٣) لعام ١٩٧٦م
ومع ذلك فإنا إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن الدفاع الشرعي هو سبب من أسباب الإباحة وفقاً للمادة (٢٧) عقوبات بفقرتها الأولى والثانية وكذلك المادة (٢٩) عقوبات التي تقضي بأنه إذا تجاوز الشخص بإهماله حدود الإباحة عوقب على هذا التجاوز إذا كان القانون بجرمه بوصفه جريمة غير عمدية ، فإن هذا النوع من جرائم القتل الذي نصت عليه المادة (١٣٢) عقوبات المشار إليها يمكن اعتبارها نوعاً رابعاً من جرائم القتل العمدية يدخل في إطار التقسيم الأساسي لجرائم القتل العمدي إذا لم يتوفر فيه عنصر الإهمال وفي هذه الحالة يمكن اعتباره نوعاً من أنواع جرائم القتل الغير عمدية وبالتالي لا يدخل في إطار التقسيم الأساسي لجرائم القتل العمدية إذا توافرت عنصر الإهمال عند تجاوز حدود الدفاع الشرعي
كل ذلك على الرغم بأن هذه الأخيرة لا يتصور وقوعها في الواقع كما هو ملاحظ فأن أساس التفرقة بين هذه الجرائم جرائم القتل العمدي وتقسيمها إلى ثلاث أنواع هو الظروف المقترنة بها المشددة أو المخففة.
الأمر الذي يقتضي بالضرورة إعطاء فكرة موجزة عن طبيعة هذه الظروف وأثرها على الجريمة ذاتها أو أجرام مرتكبها وعقوبته.
جرائم القتل المقترنة بالظروف المخففة القضائية والقانونية:
ويمكن تعريفها بأنها الأسباب التي ترك القانون تقديرها للمحكمة والتي تخولها حق تحقيق العقوبة في الحدود التي عينها القانون وتتناول هذه الأسباب كل ما يتعلق بمادية العمل الإجرامي في ذاته وبشخصية المجرم ومن وقعت عليه الجريمة وكذلك بما أحاط ذلك العمل ومرتكبه والمجني عليه من الملابسات والظروف بلا استثناء وهذه الملابسات والظروف ليس بالإمكان بيانها أو حصرها بل تترك لمطلق تقدير المحكمة لتأخذ ما تراه منها موجباً للرأفة وهي تشبه من حيث تأثيرها أسباباً أخرى تسمى الأعذار المخففة لأنها تؤدي إلى تخفيف العقوبة ولكنها تختلف عنها لان الأخيرة الأعذار المخففة يتولى القانون بيانها وحصرها في النص المجرم للفعل.
ويلزم المحكمة بالتقيد بها .. وذلك ما فعل القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م في المادة (١٣١) فقرة (٢،١) القتل تحت تأثير الهياج النفسي العنيف حيث حدد على سبيل الحصر وبين في الفقرة الأولى الأعذار المخففة للعقوبة في هذا النوع من جرائم القتل عندما نص بأن لا تزيد عقوبة الحبس على خمس سنوات في حالة أن يكون مصدر هذا الهياج النفسي العميق الذي أدى إلى ارتكاب الجريمة هو استخدام العنف .. والإهانة البالغة أو أفعال أخرى غير مشروعة من جانب المجني عليه شريطة أن تكون هذه الأفعال قد أدت أو يمكن أن تؤدي إلى نتائج جسيمة بالنسبة للجاني أو أحد أقاربه
كما اعتبرت الفقرة الثانية من هذه المادة أن أقدام المرأة التي تقتل طفلها أثناء الولادة أو فوراً بعد الولادة عذر مخفف الزم بموجبه المحكمة أن لا تحكم بعقوبة الحبس لمدة لا تزيد على خمس سنوات
بهذا يتضح الفرق بين الظروف المخففة القضائية والظروف القانونية ولكن سلطة المحكمة في تخفيف العقوبة بناءً على هذه الظروف المخففة التي نحن بصددها لا يمكن ممارستها إلا في الحالات التي يعين المشرع فيها لنص حدين للعقوبة حد أدنى وحد أقصى حيث تقتصر صلاحية المحكمة في اختيار العقوبة التي تراها مناسبة بين هذين الحدين ز ولكن القانون مع ذلك انطلاقاً من كون الغاية من العقوبة هي الإصلاح والتربية وفقاً للمادة (٣) من المبادئ العامة أجاز في المادة (٧٦) عقوبات للمحكمة أن تنزل عن تقديرها للعقوبة عن الحد الأدنى في حالة واحدة وهي إذا كانت هذه الظروف المخففة ظروفاً غير عادية شريطة أن يكون نزولها عن الحد الأدنى وفقاً لهذه الظروف غير العادية ومسبباً تسبيباً كاملاً في الحكم .. وإذا كان القانون قد أخذ بالاتجاه الذي سلكته بعض التشريعات التي لجأت إلى الإشارة إلى عدد من هذه الظروف على سبيل المثال كما ورد في المادة (٧٥) عقوبات لكن لم يفعل ذلك بالنسبة للظروف الغير عادية.
جرائم القتل العمد المقترنة بالظروف المشددة القانونية والقضائية:
أما الظروف المشددة فهي أسباب من شأنها تشديد العقوبة .. فكل فعل إجرامي يمكن أن يكون مقترناً بظروف من شأنها تشديد خطورته في ذاته أو إجرام مرتكبه فإذا توفرت أركان الجريمة فأن المحكمة تقضي بمعاقبة الجاني بالعقوبة المنصوص عليها .. ولكنها لا تلجأ إلى تشديد العقوبة في إطار الحدود الواردة في النص إلا في حالة توافر هذه الظروف المشددة وهذه الظروف المشددة نوعان :
الأول: ظروف مشددة قضائية:
وسميت كذلك لأنها متروكة لتقدير المحكمة وليس بالإمكان بيانها ولا حصرها ولكن القانون في المادة (٧٥) عقوبات أشار إلى عدد منها على سبيل الأمثلة كما فعل بالنسبة للظروف المخففة القضائية
وسلطة المحكمة في تقدير العقوبة وفقاً لهذا النوع من الظروف المشددة أي الظروف المشددة القضائية مقيدة بالحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها.
الثاني: الظروف المشددة القانونية:
وهي ظروف حددها القانون وبينها على سبيل الحصر في النص .. ولكنها تتميز عن الظروف المشددة القضائية في أنها تنقل الجريمة من نص إلى أخر بحيث إذا اقترن أحدهما بجريمة قتل عمدية طبقت عليها المادة (١٢٩) فقرة (١) وسماها بالقتل العمد مع توافر ظروف مشددة
فجريمة القتل العمد بدون توافر أحد هذه الظروف القانونية المحددة حصراً في النص تصبح من جرائم القتل البسيط أي غير المقترنة بظروف مخففة أو مشددة وتطبق عليها المادة (١٣٠) عقوبات أو من جرائم القتل المقترن بظروف مخففه وتطبق عليها المادة (١٣١) فقرة (٢،١) إذا كان الظرف المقترن بها من الظروف المحددة في هذه المادة والاهم في الأمر أن هذه الظروف المشددة القانونية تتميز عن ارتكاب الجريمة الأخرى العادية وذلك بأن الأركان الخاصة هي التي تكون الجريمة وبدونها لا توجد جريمة
وبالتالي يمكن فصلها عن الجريمة المقترنة بها دون أن تؤثر على طبيعتها ويقتصر تأثيرها عليها من حيث العقوبة المقررة لها فقط وقد حدد القانون في المادة (١٢٩) فقرة (١) هذه الظروف المشددة القانونية وبينها على سبيل الحصر حيث اعتبر القتل العمد بدافع الجشع أو الثأر أو بوسيلة وحشية أو إذا وقع الفعل على شخص فأكثر ومن شخص سبق أن أرتكب قتلاً عمداً وتوطئه لارتكاب جريمة أخرى أولاً خفائها أو على امرأة حامل أو على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفة أو خدمته ..
اعتبر هذا النوع من القتل العمد أي المقترن بأحد هذه الظروف من الجرائم التي تندرج تحت هذه المادة (١٢٩) فقرة (١) التي شدد بموجبها عقوبة الجاني وجعلها الحبس الذي لا تقل مدته على خمس سنوات أو بالإعدام ويمكن التشديد في عقوبة هذه الجريمة في أن المشرع حدد الحد الأدنى لها بالحبس الذي لا يقل عن خمس سنوات وأعطى للمحكمة سلطة تقديرية في أن تختار عقوبة الحبس شريطة أن لا تقل عن خمس سنوات ويمكن أن تزيد إلى عشر سنوات باعتبار هذه المدة هي أقصى مدة الحبس وفقاً للمادة (٦٠) فقرة (١) من المبادئ العامة للقانون والتي نصت على أن لا تقل مدة الحبس بشكل عام في كل الجرائم عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على عشر سنوات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
٢) جرائم القتل الغير عمدية:
أن جريمة القتل غير العمدي استناداً إلى قانون العقوبات رقم (٣) لعام ١٩٧٦م في المادة (١٣٣) نصت ( بأن يعاقب بقيد الحرية مع وقف التنفيذ أو بالحبس مدة لا تزيد على أربع سنوات من قتل أنساناً نتيجة لخطأ غير عمدي ) وهذه الجريمة غير العمدية يمكن أن يرتكبها الفاعل بإهمال واعي أو غير واعي ففي الإهمال الواعي تكون عندما يتوقع الفاعل إمكانية وقوع النتيجة بموت شخص أخر إلا أنه نتيجة طيش منه يصنع في حسبانه إمكانية تجنبه أي لم يرغب في وقوع الموت للمجني عليه وهذا الحساب كان ناتجاً عن هذا الطيش والإهمال من الفاعل في سوء سلوكه وتصرفه أوقعه في تحمل المسؤولية عن هذا القتل غير العمدي.
أما الإهمال غير الواعي يكون بعدم توقع الفاعل موت المجني عليه نتيجة أفعاله وكان بالإمكان أن يحيط بهذا الاحتمال لو أنه بذل العناية اللازمة ، أن هذا الإهمال غير الواعي تكون بأن الفاعل لدى ارتكابه الفعل لا يتوقع احتمال حصول الوفاة لشخص أخر
ومن خلال الإطلاع على نص المادة (١٧) فقرة (٣) من قانون العقوبات رقم (٣) لعام ١٩٧٦م فقد حددت مسئولية الفاعل عن فعلة الواعي أو غير الواعي.
ومن أمثلة الخطأ الواعي أو غير الواعي نورد البعض منها :
١- أن الممرضة التي تعطي المريض دواء مرتين بدلاً من مرة واحدة كما أعطاها الطبيب المختص الإرشادات فتسؤ حالة المريض ويصاب بضرر بليغ أدى إلى حدوث وفاته .. فأن هذه الممرضة تسأل عن هذه النتيجة الضارة التي لم تتجه أرادتها إلى أحداثها ولم تتوقعه بالرغم أنه كان يجب عليها وفي إمكانها توقع مفعول مضاعفة الدواء لهذا المريض.
٢- إما الخطأ مع التوقع فيتحقق إذا توقع الفاعل النتيجة الضارة لسلوكه واعتقد أن بإمكانه تجنبها أو توقعها لكنه رجح في الاعتبار عدم حصول ذلك دون اتخاذ موقف لتجنبها مثال على ذلكمن يقود سيارته بسرعة فائقة في طريق مزدحم بالمشاة فيوقع إصابة أحدهم ولكنه يعتمد على مهارته في السواقة لتفادي أي حادث بالمارة أو أنه رجح عدم وقوعه وأدى هذا السلوك إلى حدوث الوفاة لإحد المارة فإنه يكون بهذا التصرف مسئولاً مسئولية جنائية عن فعله غير المقصود وأساس مسئوليته الخطأ أو الإهمال
٣- إن يقوم أحد الباعة للتمور مكشوفة ومعرضة للجراثيم والأتربة ولم يعمل على تغليفها أو تغطيتها فيتسبب هذا المسلك إلى تسمم من يشتريها ويتناولها فيعاقب على هذا الخطأ غير المقصود.
٤- إذا قام أحد المواطنين بحفر بياره على الطريق دون أن يضع عليها غطاءاً محكماً أو إشارة إلى وجود خطر لمن يقتربها فيتسبب في سقوط أحد المارة بداخلها ويلقى حتفه فإنه يكون مسئولاً مسئولية جنائية عن تصرفه الخاطئ وإهماله في عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب وقوع النتيجة.
إن الخطأ في كل الأمثلة مهما كان يسيراً فإنه يكفي لقيام المسئولية الجنائية ولا اعتبار في مدى المسؤولية الجنائية ولا يكون ذلك ممكناً إلا في تقدير التعويض المدني أو تشديد العقوبة على الفاعل كما هو الحال في قضايا القتل غير العمدي.
ثانياً : جرائم القتل في ظل قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م:
أخذ المشرع اليمني بنفس الاتجاه السابق في القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م المطبق آنذاك في المحافظات الجنوبية والشرقية كما أن ذلك هو في اتجاه الكثير من قوانين الدول العربية التي أخذت بالتقسيم الثنائي لجرائم القتل وتقسيمها إلى نوعين :
التزم المشرع اليمني بهذا الاتجاه في النصوص القانونية المجرمة لهذه الأفعال بأن حدد في نصوص مجرمة وتنوعة جرائم القتل العمد وجرائم القتل الخطأ.
١- جرائم القتل العمد والتي عقوبتها القصاص والتي تتوفر فيها شروط القصاص الشرعي ودليله المنصوص عليها في المادة (٢٣٤) من قانون العقوبات اليمني.
٢- جرائم القتل العمد المقترفة بالظروف القانونية المشددة المنصوص في المادة (٢٣٤) الفقرة الأخيرة من هذه المادة.
٣- جرائم القتل في الخطأ في شخص المجني عليه المادة (٢٣٧) عقوبات جرائم القتل العمد المقترنة بالظروف القانونية المخففة وهي:
أ- جريمة استعمال الحق وأداء الواجب المادة (٢٦) بدلالة المادة (٣٠) عقوبات بشأن أسباب الإباحة.
ب- جريمة القتل العمد بتجاوز حدود الدفاع الشرعي المادة (٣٠) من قانون العقوبات.
ج- قتل الزوج زوجته ومن يزني بها حال تلبسها المادة (٢٣٢) عقوبات يمني.
د- قتل الأصل فرعه المادة (٢٣٣) عقوبات.
يلاحظ من خلال سرد النصوص المتعلقة بجرائم القتل العمدية في القانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م نلاحظ منه أنه استبعد جريمة القتل تحت تأثير الهياج النفسي العنيف كما استبعد جريمة قتل الأم لطفلها حديث الولاية .. وأدخل جريمة الاعتداء المفضي إلى الموت ضمن جرائم الاعتداء الجسيم وأياً كانت حكمت المشرع في هذا الجانب إلا أننا نستنتج من ذلك أنه ربما كان ذلك راجعاً إلى عدم الاعتداد بالدوافع والغرض من ارتكاب الجريمة
كما يستفاد كما من نص المادة (٩) عقوبات يمني والتي نصها: ( يتوفر القصد إذا ارتكب الجاني الفعل بإرادته وعلمه وبنيه أحداث النتيجة المعاقب عليها ولا عبرة في توافر القصد بالدافع إلى ارتكاب الجريمة أو الغرض منها إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك . ويتحقق القصد كذلك إذا توقع الجاني نتيجة إجرامية لفعله فاقدم عليه قابلاً حدوث هذه النتيجة أن هذا القصور التشريعي يجب إعادة النظر فيه عند إقرار هذا القانون إمام مجلس النواب في الفترة القادم بحيث يتم تلافي ذلك بإضافة نصوص مجرمة مختلفة تستوعب هذا النقض
كما يفرق بين الجرائم العمدية في القتل وبين الجرائم المرتكبة التي تتوفر فهيا سبق الإصرار والترصد وتحين الفرص لارتكاب فعل القتل وبين القتل وليد الصدفة الناتج عن مشادة كلامية أو نزاع بسيط أو شطحات حمل سلاح وإشهار سلاح ابيض في سوق قات أو خلاف على أجره باص أو تاكسي أو بين الجيران بسبب الأطفال أو الناتجة عن الشكوك الأسرية أو محاكمة جندي ارتكب الفعل وهو فوق الواجب أو تحميل مالك سيارة دية من مات وهو راكب بالسيارة المتعرضة لحادث مروري بحيث لا تتساوى العقوبات في أمثالها من الجرائم ويمكننا من خلال هذا الغرض في القانون أن نوضح بعض الشيء عن أنواع جرائم القتل العمدية كما جاءت في القانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م في التالي :
جرائم القتل العمدية:
١- القتل العمد المتوفر فيه الدليل الشرعي وطلب القصاص من ولي الدم:
نصت المادة (٢٣٤) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ٩٤م بشأن جريمة القتل العمد ( من قتل نفساً معصومة عمداً يعاقب بالإعدام قصاصاً إلا أن يعفو ولي الدم فإن كان العفو مطلقاً أو بشرط الدية أو مات الجاني قبل الحكم حكم بالدية ولا اعتبار لرضاء المجني عليه قبل وقوع الفعل.
ويشترط للحكم بالقصاص أن يطلبه ولي الدم وأن يتوافر دليله الشرعي فإذا تخلف أحد الشرطين أو كلاهما واقتنع القاضي من القرائن بثبوت الجريمة في حق المتهم أو إذا امتنع القصاص أو سقط بغير العفو يعزر الجاني بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات.
ويجوز أن يصل التعزيز إلى الحكم بالإعدام إذا كان الجاني معروفاً بالشر أو ارتكب القتل بوسيلة وحشية أو على شخصين فأكثر أو من شخص سبق أن ارتكب قتلاً عمداً أو توطئه لارتكاب جريمة أخرى أو لإخفائها أو على أمراه حامل أو على موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته أو خدمته حتى لو سقط القصاص بالعفو ).
يلاحظ من هذا النص ان العقوبة الأصلية للقتل العمد هي القصاص فالمحكمة عند الحكم على الجاني إذا توفر الدليل الشرعي وطلبه ولي الدم أن تحكم بالقصاص باعتبار أن القصاص هو الأصل في العقوبة في مواجهة المتهم باعتباره الجزاء بمثل فعله وهو القتل.
أن عقوبة القصاص بارتكاب جريمة القتل العمد في الشريعة هو القصاص المماثلة أي مجازاة الجاني بمثل فعله وهو القتل ويستوى توقيع هذه العقوبة أن يكون القتل مسبوقاً بإصرار أو ترصد أو غير مسبوق بشيء من ذلك كما يستوى أن يصحب القتل جريمة أخرى أو لا يصحبه شيء فالعقوبة على القتل العمد هي القصاص في كل حال إلا في حالة الحرابة.
أن حق القصاص حسب مفهوم المادة (٥٠) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م هو حق للمجني عليه في حياته ثم ورثته الشرعيين بعد وفاته ويكفي للحكم به طلب من أحد الورثة أو من تقوم مقامة قانوناً.
ومن النيابة العامة بما لها من الولاية العامة في رفع الدعوى الجزائية فإذا امتنع المجني عليه أو ورثته لأي سبب اكتفى للحكم به بطلب من النيابة العامة على أن تراعي الأحكام الخاصة بتنفيذ أحكام القصاص الواردة في هذا القانون.
كما تناولت المادة (٥١) حق العفو من القصاص وأثر هذا العفو قبل الحكم في الدعوى وبعد الحكم فيها كما أوضحته الماد (٥٤) من نفس هذا القانون.
أما العفو بشرط الدية أو الأرش فعند ثبوت الجريمة تحكم المحكمة على الجاني بالحبس مدة لا تزيد عن خمس عشرة سنة وبالدية أو الأرش بدلاً من القصاص المادة (٥٥) عقوبات يمني أما المادة (٥٦) عقوبات فقد تناولت أحكاماً خاصة فيما يتعلق بالعفو بعد الحكم ونصت ( إذا صدر العفو ممن يملكه بعد الحكم بالقصاص بشرط الدية أو الأرش وجب التوقف عن تنفيذ القصاص إذا دفع الجاني الدية أو الأرش بحسب الشرط فإذا لم يوف الجاني أجرى القصاص فيه ، وفي العفو المطلق إذا لم يف الجاني بالدية أو الأرش استوفى من ماله .. ).
أن عقوبة الدية أو الأرش والتعزيز كلاهما بدل من عقوبة القصاص فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب الشرعية التي تمنع القصاص حلت محله عقوبة الدية مضافاً إليها التعزيز وإذا امتنعت عقوبة الدية لسبب من الأسباب الشرعية حلت محلها عقوبة التعزيز .
فالفرق بينهما أن عقوبة التعزيز تكون أحياناً بدلاً من القصاص وتكون أحياناً بدلاً من بدل القصاص أي بدلاً من عقوبة الدية التي هي في الأصل بدلاً من عقوبة القصاص . إما عقوبة الدية فهي بدل من القصاص فقط.
ويترتب على اعتبار الدية بدلاً من القصاص نتيجتان:
أولهما: أنه لا يجوز للقاضي أن يجمع بين العقوبتين جزاء عن فعل واحد ولكن الجمع يجوز إذا تعددت الأفعال فيجمع بينهما باعتبار القصاص عقوبة عن بعض الأفعال والدية عقوبة عن البعض الآخر فمن قتل شخصاً عمداً لا يصح أن يعاقب إلا بعقوبة القصاص فإذا امتنع القصاص فعقوبة الدية والتعزيز أو الدية فقط.
فأن امتنعت الدية فالعقوبة التعزيز ومن قتل شخصين جاز أن يعاقب على قتل أحدهما بالقصاص وعلى قتل ثانيهما بالدية والتعزيز إذا امتنع القصاص وبالتعزيز فقط إذا امتنع القصاص والدية فتكون نتيجة الحكم عليه أنه عوقب بالقصاص والدية والتعزيز .
وخلاصة ما سبق أنه لا يجوز الجمع بين عقوبة أصلية وعقوبة بدليه إذا كانت الأخيرة مقررة بدلاً من الأولى أو بمعنى آخر لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبدلها ولكن يجوز الجمع بين بدلين ، كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين فمثلاً يجوز الجمع بين الدية والتعزيز وكلاهما بدل من عقوبة القصاص ويجوز الجمع بين القصاص والكفارة وكلاهما عقوبة أصلية ، ولا جدال في أنه يجوز الجمع بين العقوبات الأصلية والعقوبات التبعية حيث لا يوجد ما يمنع من ذلك عقلاً وشرعاً.
ويترتب على أن القصاص أصل والدية والتعزيز بدل أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة البديلة إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية والسبب من الأسباب الشرعية التي تمنع القصاص فإذا لم يكن هناك مانع وجب الحكم بالعقوبة الأصلية.
وفي هذا الاتجاه نهج قانون العقوبات اليمني على هذا المنوال فنص على عدم جواز الجمع بين القصاص والدية والأرش فمنصت المادة (٥٧) من هذا القانون (لا يجوز الجمع بين القصاص وبين الدية أو الأرش في جريمة واحدة عن نفس واحدة وإذا تعدد المجني عليهم كان لكل منهم حق القصاص أو الدية أو الأرش كما يكون لهم حق العفو سواء اتفق طلبهم أو اختلف ..الخ).
وتنظيماً لهذا المبدأ في عدم جواز الجمع بين القصاص وبين الدية أو الأرش فصلت المادة (٦٠) من قانون العقوبات أحواله وتنفيذه حيث نصت (عفو المجني عليه ملزم له ولورثته مهما تغيرت الظروف فإن عفا عن القصاص والدية أو عن الدية سقطا معاً وأن عفو مطلق أو بشرط الدية أو الأرش سقط القصاص لا يكون للمجني عليه أو ورثته إلا الحق في الدية أو الأرش) .
على أنه لا يحكم بالمستحق من هذه الديات والأرش إلا بعد أن يتبين حال المجني عليه بسبب الجريمة فيما يسري عن الجروح .. المادة (٦١) من هذا القانون.
وفي الجانب الآخر بشأن طلب القصاص وتنفيذه أو العفو من الورثة أو أحد الورثة المسقط للقصاص فإن المادتين (٦٢، ٦٣) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م قد فصلت الطريقة والأسلوب والإجراء اللازم اتباعه من قبل المحاكم عند نظرها قضايا القتل العمد.
٢- القتل العمد المقترن بالظروف القانونية المشددة:
في جميع هذه الظروف القانونية المشددة فإنه ارتكب الجاني جريمة القتل تحت واحد من هذه الظروف المشددة فإنه يجوز للمحكمة أن تحكم على المتهم تعزيراً بالإعدام.
كما أكدت المادة (٢٣٥) عقوبات بأن يجوز أن تصل العقوبة إلى الإعدام إذا توافر مع القتل أحد الظروف الواردة في الفقرة الثالثة من المادة (٢٣٤) عقوبات هذه العقوبة التعزيرية وتشديدها في الظروف المشددة قد جاز فيها توقيع عقوبة الإعدام ذلك ناتجاً عن الخطورة الاجتماعية للفعل المرتكب من قبل الجاني.
فالتشديد في العقوبة التعزيرية اقتضتها حكمت المشرع لردع أمثال هؤلاء الجناة بأن مصيرهم الإعدام حتى إذا عفا ولي الدم سواء كان عفواً مطلقاً أو مجاناً أو بشرط الدية.
فالتعزيز بالحبس أو الإعدام جاز توقيعها من قبل القاضي في الظروف القانونية المشددة ناتج عن خطورة هذه الأفعال الشنيعة فلا يتوقع الجاني أن بالعفو من ولي الدم وبسقوط القصاص في حقه سيكون بمنجاة من عقوبة الإعدام تعزيراًاً مثل هذه العقوبة التعزيرية وتوقيعها لا شك أنها كفيلة بردع من تسول له نفسه في ارتكاب جريمة القتل العمد تحت أي ظرف من الظروف القانونية المشددة.
٣- جريمة القتل العمد في الخطأ في شخص المجني عليه:
نصت المادة (٢٣٧) عقوبات يمني ( لا تأثير للخطأ في شخص المجني عليه أو شخصية على اعتبار الجاني قاتلاً متى توافرت في حقه شروط القتل العمد المنصوص عليها في هذا القانون ).
أن الغلط في الشخصية لا تؤثر باعتبار الجريمة جريمة قتل عمد وهذا يحصل في صفة ثانوية في المجني عليه ويطلق الفقه على هذا النوع اسم الخطأ في الشخصية أو الخطأ في حيدة الهدف ومن مفهوم المادة (٢٣٧) عقوبات يمني يفهم منها أن جريمة القتل تكون لها صفة الجريمة التي يرتكبها الجاني إذا سبب موت الشخص الذي كان يقصد موته أو يعلم بأنه يحتمل أن يسببه وذلك لأن الجاني قصد بفعلة أن يسبب الموت أو علم باحتمال تسببه بناء عليه وقد ترتب فعلاً بناء عليه أما كون من مات زيد لا عمرو نتيجة خطأ في التصويب أو صدفة فإن هذا لا يؤثر لاحتمال ذلك تبعاً لمجرى العادي للأمور فالعبرة أذن بالقصد أو العلم المصاحب للفعل والنتيجة المترتبة عليه.
والفعل بعد ذلك تبعاً للقصد أو العلم قد يكون قتلاً جنائياً يبلغ القتل العمد أو قتلاً جنائياً لا يبلغ درجة القتل العمد.
ويلاحظ أن نفس المبدأ الوارد في النص ينطبق أيضاً في الأحوال التي يحصل فيها الموت للشخص المقصود أو غير المقصود بالفعل ولكن بكيفية أخرى غير تلك التي قصد إليها الجاني نتيجة خطأ في التقدير أو صدفة أي حيدية الهدف وطالما أن عناصر القتل العمد متوافرة من فعل وقصد أو علم ووفاة فأن المتهم يسأل عن القتل تاماً متى كانت أفعال الجاني متتابعة ومتصلة بعضها اتصالا وثيقاً لا يقطع علاقة السببية ووصلت إلى الوفاة حتى لو كانت هذه الوفاة لم تحدث بناءً على الحيطة أو الكيفية التي رسمها الجاني وإنما بكيفية أخرى متصلة بحيث تكون مع فعل الجاني مشروعاً واحداً.
لهذا فإنه إذا توافرت عناصر القتل العمد وثبتت الإدانة في مواجهة المتهم طبقت في حقه شروط القتل العمد المنصوص عليها في هذا القانون وهي العقوبة المنصوص عليها في المادة (٢٣٤) عقوبات يمني والمواد (٦٢، ٦١، ٦٠، ٥٧) من نفس القانون أن الأمثلة على هذه الحالة كثيرة ومتنوعة ولاستيعاب مفهوم نص المادة (٢٣٧) نسوق بعض الأمثلة لأهمية الموضوع وهي:
إذا أطلق إنسان عياراً نارياً على شخص أو طعن شخصاً معتقداً أنه زيد عدوه فإذا به تبين أنه عمرو صديقه أو أي شخص آخر فإن فعله يعد قتلاً عمداً لأن الغلط حصل في صفة ثانوية في المجني عليه لا تؤثر على الجريمة .. ويطلق الفقه على هذه الحالة اسم الخطأ في الشخصية.
الخطأ في الشخص أو حيدة الهدف ومثالها أن يهدف الجاني بفعله الذي يقصد به أحداث الموت أو يعلم بأنه يحتمل أن يسبب الموت إلى أصابه شخص معين فيؤدي الفعل إلى تسبب موت إنسان آخر لم يكن يقصد موته أو يعلم بأنه يحتمل أن يسببه.
٤- جرائم القتل المقترنة بالظروف القانونية المخففة:
جرائم قتل الأب لفرعه الابن:
نصت المادة (٥٩) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م بأن ( لا يقتص من الأصل بفرعه وإنما يحكم بالدية أو الأرش على حسب الأحوال.. ).
إن هذه الجريمة هي من جرائم القتل العمد والأصل في جريمة القتل العمد أن يحكم بالقصاص على الجاني كلما توفرت أركان الجريمة إلا إذا كان هناك سبب يمنع من الحكم بالقصاص وفي هذا النوع من الجرائم لا يقتص من الأب القاتل للابن باعتبار أن القتيل جزء من القاتل.
يرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد إذا كان القتيل جزءاً من القاتل امتنع الحكم بالقصاص ويكون القتيل جزءاً من القاتل إذا كان ولده فإذا قتل الأب ولده عمداً فلا يعاقب على قتله بالقصاص لقوله عليه السلام (لا يقاد الوالد بولده) ولقوله ( أنت ومالك لأبيك ) والحديث الأول صريح في منع القصاص والحديث الثاني وإن لم يكن صريحاً في منع القصاص إلا أن نصه يمنع منه لان تمليك الأب ولده وإن لم تثبت فيه حقيقة الملكية تقوم شبهة في درء القصاص إذ أن القاعدة في الشريعة (درء الحدود بالشبهات).
أما الولد فيقتص منه لوالده سواء كان أباً أو أماً إذا قتله طبقاً للنصوص العامة لأن النص الخاص لم يخرج من حكم النصوص العامة إلا الوالد فقط ويعللون هذه التفرقة في الحكم بين الوالد والولد بأن الحاجة إلى الزجر والردع في جانب الولد أشهر منها في جانب الوالد لأن الوالد يحب ولده لنفسه دون أن ينتظر نفعاً منه إلا أن يحيى ذكره ، وهذا يقتضي الحرص على حياته أما الولد فيحب والده لنفسه أي أنه يصل إليه من منفعة عن طريقة وهذا يقتضي الحرص على حياته
أما الولد فيحب والده لنفسه لا لوالده أي أنه يحبه لما يصل إليه من مال والده كله يؤول إليه بعد وفاته وحبه لنفسه يتعارض مع الحرص على حياة والده ويعلل البعض بأن الحكم بأن الوالد كان سبباً في إيجاد الولد فلا يصح أن يكون الولد سبباً في إعدامه وهو تعليل يراه البعض بعيد عن الفقه لأن الاب إذا زنى بابنته يرجم فتكون سبب إعدامه مع أنه سبب وجودها والحقيقة أن الأبن والبنت ليس سبب إعدام الأب وإنما ارتكاب الأب للجريمة في كل حال كان سبب إعدامه ويدخل تحت لفظي الوالد والولد باتفاق الفقهاء الثلاثة كل والد وإن علا وكل ولد وأن سفل فيدخل تحت الوالد الجد أب الأب والجد أب الأم وأن علا ويدخل تحت الولد ولد الولد وأن سفلوا.
وحكم الأم هو حكم الأب فإذا قتلت الأم ولدها فلا يقتص منها لأن النص جاء بلفظ الوالد وهي أحد الوالدين فاستوت في الحكم مع الأب فضلاً عن إنها أولى بالبر فكانت أولى بنفي القصاص عنها.
ومع وجود بعض الخلافات الفقهية وتعليلاتهم في هذا الجانب قد لا يفيد التوسع في تناولها فقد أخذ قانون العقوبات اليمني بالرأي الراجح للمذاهب الفقهية ونص في المادة (٥٩) بأن لا يقتص من الأصل بفرعه وإنما يحكم بالدية أو الأرش على حسب الأحوال ويعد هذا الظرف القانوني سبباً للتخفيف العقوبة في مواجهة الأب القاتل لأبنه ..
وقد نصت المادة (٢٣٣) عقوبات (إذا اعتدى الأصل على فرعه بالقتل أو الجرح فلا قصاص وإنما يحكم بالدية أو الأرش ويجوز تعزير الجاني في هذه الحالة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة في القتل وبالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بالغرامة في الجرح ما لم يحصل عفو..).
قتل الزوج زوجته ومن يزني بها حال تلبسها:
يعتبر قتل الزوج زوجته ومن يزني بها حال تلبسها عذراً مخففاً للعقاب في جرائم القتل العمد .. ويستوي أن يكون الزنا في منزل الزوجية أو مكان آخر .. ويرجع سبب التخفيف إلى أن الزوج يفاجأ بما يخدش شرفه وينال من كرامته تكون نفسه جياشة بالانفعال متأثرة بعمق الإهانة والخيانة مما يجعله متساقاً إلى الاعتداء على الزوجة وشريكها وقد ضاق بلا شك مجال حريته في الاختيار .. سبب التخفيف مرده إلى صفة الزوج وإلى حالته النفسية أثناء وقوع الفعل وهذا مما يدعوا إلى القول بأنه عذر شخصي وليس ظرفاً عينياً في الجريمة.
ويسري ذات الحكم على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعة أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا.
كما أن هذا العذر لا يسري على أقارب الزوجة ولا أقارب الزوج ولا أصدقائه الذين قد يشارون لشرفه عند غيابه والحكمة من ذلك أن الحق أعطى للزوج فقط لصفته هو ومنعاً على للإساءة في استخدامه كما لا يستفيد شريك الزوج في القتل ويكون الاستفادة للزوج من عذر التخفيف أما شريكه في القتل لا يستفيد من التخفيف كما لا يستفيد الفاعلين الأصليين معه من هذا الظرف الخاص المخفف للعقوبة في مواجهة الزوج.
جريمة القتل العمد بتجاوز حدود الدفاع الشرعي:
نصت المادة (٢٧) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م بأن (تقوم حالة الدفاع الشرعي إذا واجه المدافع خطراً حالاً من جريمة على نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس الغير أو عرضه أو ماله وكان من المتعذر عليه الالتجاء إلى السلطات العامة لاتقاء هذا الخطر في الوقت المناسب .. ويجوز للمدافع عندئذ أن يدفع الخطر بما يلزم لرده وبالوسيلة المناسبة ..)
والشرط الأول لنشوء حق الدفاع الشرعي هو أن يكون هناك اعتداء لان الدفاع يقتضي وجود العدوان فوقت إباحة الفعل هو وقت وجود الاعتداء ولذلك يجب أن يكون حالاً أو وشيك الوقوع فخشية وقوع الفعل في المستقبل لا تجيز الدفاع والمجازاة على اعتداء مضى لا يعد دفاعاً وإنما يعد انتقاماً يسأل عنه المدافع ويتحمل الجزاء كاملاً ويجب الرجوع في الحالتين إلى سلطات الأمن لأن من اختصاصها منع وقوع العدوان للمستقبل والتحري عن عدوان انتهى
فالشارع لا يجيز الدفاع إلا في الوقت الذي لا يمكن فيه طلب الغوث والنجدة من السلطة العامة لعدم وجودها ولذلك نص على أنه لا وجود لحق الدفاع متى وجد متسع من الوقت للالتجاء للسلطات العامة ولهذا يقتضي أن يكون الاعتداء حالاً أو وشيك الوقوع كما يقتضي لزوم ارتكاب فعل يتضمن استعمال القوة لدفعة (١) أن نص المادة (٢٧) عقوبات يمني أكدت بأن تقوم حالة الدفاع إذا واجه المدافع خطراً حالاً من جريمة ..الخ.
أن سبب الإباحة يعود لإن النص وصف الدفاع بأنه حق وبالتالي لا جريمة في الفعل الذي يقع في سبيل استعماله لأن القانون يقره بشرط أن يكون الاستعمال مشروعاً فإذا أسأ صاحب حق الدفاع استعماله بأن تجاوز حد التناسب مثلاً فإنه يعاقب في هذه الحالة على فعلة بتجاوزه لحالة الدفاع الشرعي أن تجاوز حدود الدفاع الشرعي يعتبر فعلاً إجرامياً ولكن القانون اعتبره ظرفاً قانونياً مخففاً للمسئولية الجنائية.
ويعتبر تجاوزاً لحالة الدفاع الشرعي عدم مطابقة الدفاع لطبيعة الاعتداء وخطورته
ويعتبر من ارتكبه متجاوزاً لحدود الدفاع الشرعي المسموح به وفي هذا الخصوص نصت المادة (٣٠) من القانون رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م ( إذا تجاوز الشخص بإهماله حدود الإباحة أو الضرورة أو الدفاع الشرعي يعاقب على هذا التجاوز إذا كان القانون يجرمه بوصفه جريمة غير عمدية .. )
٣- عدم مطابقة فعالية الدفاع مع فعالية الاعتداء لهذا فإنه لا يجوز الوصول بالقوة اللازمة إلى حد أن يتعمد المدافع تسبب الموت سواء في الدفاع عن النفس أو عن المال.
ومن تسبب في قتل شخص بسبب تجاوز حدود الدفاع الشرعي يكون عرضه للمسئولية الجنائية وتكون العقوبة مخففة في مواجهة الجاني (حيث نصت الفقرة الأخيرة من المادة (٣٠) عقوبات بأن يعاقب على هذا التجاوز إذا كان القانون يجرمه بوصفه جريمة غير عمدية).
أركان جريمة القتل الخطأ في القانون اليمني
نصت المادة (٢٣٨) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (١٢) العام ١٩٩٤م (يعاقب بالدية من تسبب بخطئه في موت شخص ويجوز فوق ذلك تعزير الجاني بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة فإذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول وظيفة أو مهنته أو حرفته أو مخالفته للقوانين واللوائح أو كان تحت تأثير سكر أو تخدير عن وقوع الحادث كان التعزيز الحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات).
1. الركن المادي للقتل غير العمد:
2. الركن المعنوي وهو الخطأ:
ويعد الجاني متصرفاً على هذا النحو إذا لم يتوقع عند ارتكاب الفعل النتيجة التي كان في استطاعته الشخص العادي أن يتوقعها أو توقعها وحسب أن في الإمكان اجتنابها ..).
لقد كان التشريع الجنائي اليمني سباقاً في النص على الخطأ وتحديد صورة من بين التشريعات الجنائية لبعض الدول العربية مثل مصر العربية والأردن وسوريا التي لم تنص قوانينها على تحديد الخطأ وصورة وفي التطبيق القضائي لديهم يعتمدون على تعريف فقهاء القانون للخطأ
فقد قال بعض الفقهاء إن الخطأ هو التصرف الذي لا يتفق مع الحيطة التي تتطلبها الحياة الاجتماعية.
وقال آخرون من الفقهاء بشأن الخطأ أنه كل فعل أو امتناع إرادي تترتب عليه نتائج لم يردها الفاعل لا بطريق مباشر ولا غير مباشر ولكنه كان في وسعة تجنبها وقال آخرون من الفقهاء حول الخطأ بأنه لا يتخذ الفاعل في سلوكه الاحتياط الكافي الذي يجب على الشخص الحريص المتبصر اتخاذه لمنع ما عسى أن يترتب على سلوكه هذا من نتائج ضاره بالآخرين وهناك تعريف آخر لهم للخطأ بأنه نزول الجاني في تصرفه عن الحد الذي يفرضه عليه القانون من الحيطة والحذر مما يترتب عليه عدم توقعه حدوث النتيجة غير المشروعة في حين أنه كان في استطاعته أو من واجبه أن يتوقعها.
١- الرعونة : وهي سوء التقدير وذلك بقيام الجاني بعمل مادي أو غير مادي لا يحسنه أي ليست لديه المهارة اليدوية الكافية أو ليست لديه المعلومات الفنية الكافية لتلافي ما يمكن أن يحدث من أخطار نتيجة فعله.
٣- الإهمال : وهو عبارة صورة من صور الخطأ المقترف بالترك والامتناع أو الغفلة عن القيام بما ينبغي للشخص الحريص أن يفعله ولو قام بما يجب عليه وبما تقتضيه طبيعة الوضع أو ظروف الموقف الذي وجد فيه لما حدثت النتيجة الآثمة ولما حصل الموت وهكذا يبدو الخطأ في صورة الإهمال.
٤- عدم مراعاة القوانين واللوائح والقرارات: يعتبر الشخص في حكم المخطئ قانوناً بمجرد مخالفته حكماً من أحكام القانون أو قاعدة من قواعد النظام إذا وقع منه إيذاء أو حدثت وفاة بسبب تلك المخالفة.
لقد سبق أن أوضحنا بالتفصيل صور هذا الخطأ عند التطرق للركن المعنوي في الجريمة وعند التطرق لجرائم القتل غير العمد في ظل القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م ونكتفي بذلك القدر أن ما ورد في القوانين الوضعية من تحديد للقتل الخطأ وما انتهى إليه شراح هذه القوانين من أركان لهذه الجريمة لا يختلف كثيراً عما قرره فقهاء الشريعة الإسلامية ..
فسبب المسئولية في هذه الجرائم هو الإهمال وعدم الاحتياط وعدم التبصر إلى آخر هذه الأسباب التي أوردتها مواد القوانين الوضعية التي سبق ذكرها ولا تخرج هذه الأسباب عما قاله فقهاء المسلمين بالنسبة لجناية القتل الخطأ وما جرى مجرى الخطأ و القتل بالتسبب ودرجات المسئولية تتعدد وتتنوع بحسب تنوع الخطأ وتعدده فالخطأ أكثر جسامة ما أجرى مجرى الخطأ لأن الجاني في الخطأ يقصد الفعل وتنشأ النتيجة المجرمة عن تقصير الجاني وعدم احتياطه.
أما فيما أجرى مجرى الخطأ فالجاني لا يقصد الفعل ولكن الفعل يقع نتيجة تقصيره أو تسببه إلا أنه علينا عند التطبيق أن لا ننسى بعض النتائج الهامة في أحكام المسئولية الجنائية لصور الخطأ وذلك في التالي:
١) يجب أن لا يغيب عن البال أن مجرد عدم مراعاة القوانين واللوائح والقرارات والأنظمة ليس له معنى أكثر من أن الجاني قد أخطأ والخطأ وحدة ليس كافياً للمسئولية وإنما هو ركن واحد من أركان المسئولية لا تقوم به وحده بل يجب عليه أن يثبت أن هذا الخطأ هو السبب في وقوع النتيجة الضارة من الوفاة أو غيره ولهذا يخطئ من يظن أن عدم مراعاة القوانين أو اللوائح كاف وحده للمسئولية دون التحقق من وجود رابطة السببية بين هذا الخطأ وحصول الضرر من قتل أو جرح.
٢) كل صورة من صور الخطأ المبينة في قوانين العقوبات تكفي وحدها لتكوين الخطأ ومع ذلك فإنه من الصعب أحياناً التمييز بين صورة وأخرى ووضع حدود حاسمة بين صور الخطأ الثلاثة أو الأربعة وكما حددتها التشريعات الجزائية العربية فقد تنشأ الواقعة الإجرامية عن إهمال مردة قلة الاحتراز أو عن قلة احتراز مصدرها الإهمال.
وقد ينطوي عدم مراعاة القوانين أو اللوائح على إهمال أو على قلة احتراز وهكذا كثيراً ما نرى تداخلاً بين صور الخطأ وحلول بعضها محل بعض ولكن مهما اختلفت صور الخطأ أو تداخلت فهي لا تعد وأن تتجلى في مظهرين اثنين مظهر سلبي ويكون الخطأ في هذه الحالة في الامتناع ويسمى عندئذ إهمالاً ..
والمظهر الثاني هو مظهر إيجابي ويكون الخطأ في النشاط الإيجابي ويسمى قلة احتراز وعدم تبصر أو رعونة أو مخالفة للقوانين واللوائح ولو أمعنا النظر لتبين لنا أنها جميعها لن تخرج عن عدم التبصر أو الإهمال إذا المفروض في الرجل البصير المتزن أنه نفذ أحكام القانون ويحترمها مما يلزم في هذه الحالة وجود مزيد من الوعي الاجتماعي القانوني ورصيد كبير في الأخلاق والقيم الإنسانية وقد لا تجد المستهتر للنظام والقانون الإنسانية وقد لا تجد في المستهتر للنظام والقانون.
احترام القوانين الدولة وأنظمتها مما يكون عرضه للمخالفة لها والأضرار بالآخرين وعدم المحافظة على صحتهم وأرواحهم مما يلزم تحمله المسئولية.
قد يموت إنسان نتيجة خطأين أو أكثر تنشأ من اثنين أو أكثر وقام كل مخطئ منهم بفعل ضار لا يرتكبه الرجل المعتاد السوي يعتبر كل واحد من الجناة فاعلاً أصلياً للقتل الخطأ مع أن هذه الجناية جناية واحدة فيكونوا جميعاً محلاً للمسئولية الجزائية ذلك أن النتيجة ارتكبت على خطأين أو أكثر من شخصين أو ثلاثة ويسأل الكل عن المسئولية كما قد يتعدد الخطأ إذا يشارك المجني عليه مع الجاني في حصول النتيجة ولو كان قسط المجني عليه من المسئولية أكثر من قسط الجاني فيكونا معاً محلاً للمسئولية ولا يجوز المقاصة بين الأخطاء في القانون الجزائي ويبقى كل خطأ مستقلاً عن الآخر وشخصياً خاصاً بمرتكبه لكن قد يكون الخطأ من المجني عليه أثر في العقوبة التي ينزلها القاضي بالجاني فتخفف هذه العقوبة تبعاً لمقدار جسامة خطأ المجني عليه.
وهذه الحالة قد تجدها في شخص صغير السن أو مجنون لا يجوز مساءلتهم جنائياً لكن الشريك معه الذي كان كامل الأهلية فتحمل هذا الشريك المسئولية الجنائية الناتجة عن فعله في الجريمة غير المقصودة.
ومن أمثلة هذا النوع في مسئولية الأب الذي سلم طفلة الصغير بندقية محشوة بالرصاص فيعبث بها الطفل فينطلق منها عيار ناري يصيب إنساناً فيرديه قتيلاً.
فإن تصرف الأب غير سليم لا يأتيه رجل عادي متبصر فيكون فعله خطأ يجعل منه محلاً للمسئولية عن وقوع حادث القتل خطأ وفاعلاً لهذه الجريمة غير المقصودة.
ومن الأمثلة الأخرى الخطأ في القصد كان يطلق شخصان الرصاص على الطيور أو أي هدف معين فإذا به تسبب به إنسان وينجم عن هذا الفعل قتل المجني عليه ففي هذه الحالة يسأل الفاعلان عن هذه الجريمة في القتل الخطأ.
في هذا الخصوص أن من اشترك أو تدخل في الخطأ المقترف يعتبر فاعلاً أصلياً بغير تفرقة في المسئولية الجنائية من جهة القانون ذلك بأن طبيعة الجرائم غير المقصودة لا تسمح بوجود تدخل فيها فإما أن يثبت أن الشخص ساهم بخطئه في أحداث النتيجة الجرمية أم لم يساهم فيها فإذا ساهم يصبح فاعلاً أصلياً للجريمة لا متدخلاً مهما كان الدور الذي قام به سواء كان ثانوياً أم رئيسياً ذلك بأن التدخل في جريمة القتل خطأ توافر قصد معاونة الفاعل الأصلي على تنفيذ الجريمة وإنما مهما حدث أنه في الجريمة غير المقصودة القصد الجرمي منتفياً فيها ..
فإذا كان منعدماً أصلاً بالنسبة للفاعل الأصلي فلا يتصور توافره لدى المتدخل ومن هنا كانت المساهمة في أي فعل خاطئ ينشأ عنه قتل خطأ تجعل صاحبة فاعلاً أصلياً في هذه الجريمة ولا وجه للمفاضلة بين الأخطاء التي أدت إلى حدوث الجريمة القتل الخطأ فيستوي كل خطأ في هذه الحالة متى ساهم هذا الخطأ في أحداث وفاة المجني عليه سواء أكان الخطأ ثانوياً أو رئيسياً ويعتبر من ساهم في أحداث هذه الوفاة فاعلاً أصلياً.
تختتم بهذا القدر البسيط في توضيح الخطأ وصورة المتعارف عليها قانوناً وقضائياً وأياً كانت صورة هذا الخطأ فإنه يلزم عند التطبيق من قبل المحاكم المختصة بيان السببية في الحكم أي بيان رابطة السببية بين نشاط الجاني أو خطئه وبين النتيجة التي يعاقب عليها القانون وهو أساس مسئولية الجاني عن هذه النتيجة من أجل ذلك يجب على المحكمة أن تثبت في حكمها توافر هذه الرابطة وإلا كان حكمها معيباً.
وتقدير قيام هذه الرابطة والقول بتوافرها أو تخلفها هو من الأمور الموضوعية التي تختص بها محكمة الموضوع بغير رقابة من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا عند نظرها الطعن بالجزائي إلا من حيث الفصل في أمراً معيناً يصلح قانوناً لان يكون سبباً لنتيجة معينة أولا يصلح وهذا يترك في الواقع لهذه الدائرة الجزائية مجالاً للتدخل من قبلها في تقدير السببية بشأن هذه الأمر الأخر الذي يعد سبباً في الطعن لهذه النتيجة المعينة
أن محكمة الموضوع المناط بها تقدير الأمور الموضوعية بشأن توافر الرابطة السببية لن يتأتى لها ذلك إلا بالأخذ بالمعيار المادي أو الموضوعي وفقاً لما حدده نص المادة (١٠) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ١٩٩٤م وهذا المعيار هو الأفضل من المعيار الشخصي الذي يكتفه الغموض وصعوبة في التطبيق .
الصعوبات التي تواجه المحاكم اليمنية عند نظرها قضايا القتل:
١- غيبا المذكرات الإيضاحية للقوانين الهامة التي تطبقها المحاكم قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية.
٢- غياب الشروحات الفقهية لهذه القوانين سواء من قبل الكادر المحلي أو من المختصين في الدول العربية التي تأثر قانونا بها وكل ما يقتنيه القضاة هي شروحات لقوانين الدول الأخرى المشابهة.
٣- عدم الفهم الموحد لفقرات المادة (٢٣٤) من قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ٩٤م بشأن جريمة القتل العمد المعاقب عليها بالإعدام قصاصاً إذا توفرت شروط القصاص الشرعي وجريمة القتل العمد التي يتخلف فيها أحد الشرطين أو كلاهما وثبت بالقرائن بثبوت التهمة في حقه المتهم ..
وجريمة القتل العمد التي تصل عقوبتها تعزيراً إلى الإعدام إذا كان الجاني معروفاً بالشر أو ارتكب القتل بوسيلة وحشية أو على شخصين فأكثر أو من شخص سبق أن ارتكب قتلا عمداً أو توطئه لارتكاب جريمة أخرى أو على موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب مناسبة تأدية وظيفته أو خدمته حتى لو سقط القصاص بالعفو.
من أكثر المشاكل والصعوبات في التطبيق تتكرر بالنسبة لجريمة القتل العمد مع توافر الظروف القانونية المشددة .. وأن هذه الاختلافات في وجهات النظر نجده واضحاً حول طبيعة الوسيلة الوحشية كظرف من الظروف القانونية المشددة وفق مفهوم الفقرة (٣) من المادة (٢٣٤) عقوبات يمني فالبعض مثلاً يعتبر السكين والمسدس وسيلة وحشية بحيث إذا استعمل الفاعل أحدهما في جريمة ا لقتل اعتبرها جريمة قتل مع توافر ظرف مشدد.
في حين يرى آخرون أن السكين أو المسدس لا يمكن اعتبارهما من الوسائل الوحشية وإنما تعتبر ضمن الفقرة (٢) من المادة (٢٣٤) عقوبات والذي عند توافر هذا الدليل تنقل جريمة القتل من الفقرة (٣) إلى الفقرة (٢) من هذه المادة وبالتالي تعرض الجاني فيها إلى عقوبة الحبس المحدد في هذه الفقرة ولهذا فإن المحاكم بحاجة ملحه إلى شرح وتوضيح ظرف الوسيلة الوحشية وغيرها من الظروف القانونية المشددة التي وردت على سبيل الحصر في الفقرة (٣) من المادة (٢٣٤) عقوبات يمني.
٤- وجود خلافات في الرأي واجتهادات بشأن مسألة ما إذا كانت الظروف القانونية المشددة المقترنة بجريمة القتل العمد وفقاً للفقرة (٣) من المادة (٢٣٤) عقوبات هل تعد ركناً للجريمة أم تعتبر جزءاً من عناصر هذه الجريمة أم لا تعتبر؟ وهل يشترط الإشارة إليها في صك الاتهام أم لا يشترط ذلك؟
يرى البعض من القضاة ضرورة الإشارة إليها في صك الاتهام لكي يتمكن المتهم عند قراءة صحيفة الاتهام في المحاكمة معرفة طبيعة الجريمة المنسوبة إليه ونوع الظرف أو الظروف المشددة بجريمة القتل العمد وبالتالي يستطيع تحديد موقفة منها وتحديد دفاعه ويرى آخرون أن الظروف القانونية المشددة هي عبارة عن أسباب إذا اقترنت بالفعل الإجرامي أدت إلى تشديد العقوبة على فاعلة فهي لا تؤثر سوى على العقوبة فقط وبالتالي فهي ليست ركناً من أركان جريمة القتل العمد وعلى هذا الأساس فإن الإشارة إلى اللفظ المعبر عنها في صحيفة الاتهام ليست ضرورية ولا يتعارض ذلك مع ما نص عليه قانون الإجراءات الجزائية بالبيانات التي تحتوي عليها صحيفة الاتهام.
وإن المقصود بعنصر هو وصف الفعل أو الامتناع المنسوب إلى المتهم الذي اشترط توافره في صك الاتهام وهو الوصف الذي يحتوي على الأركان المكونة للفعل الذي شكل جريمة سواء كان إيجابياً أو سلبياً . وهذه الظروف المشددة القانونية ليست من أركان الجريمة وإنما تستخلص من طبيعة السلوك الإجرامي ولا يشترط أن يعلم الجاني مسبقاً بتوافره أو بتوافرها في فعله أو نشاطه الإجرامي ولكن لا يمنع إذا نص القانون على خلاف ذلك كما نجده في تشريعات بعض الدول العربية الجزائية حيث تشرط العلم المسبق بتوافر الظرف القانوني المشدد قبل ارتكاب الجريمة.
٥- وجود تناقض في النص العقابي التعزيري لجريمة القتل العمد بين المادة (٢٣٤) فقرة (٢) والمادة (٢٣٥) عقوبات بشأن التعزير عند عفو ولي الدم حيث نصت الفقرة (٢) من المادة (٢٣٤) " يشترط للحكم بالقصاص أن يطلبه ولي الدم وأن يتوافر دليله الشرعي فإذا تخلف أحد الشرطين أو كلاهما واقتنع القاضي من القرائن بثبوت الجريمة في حق المتهم أو إذا امتنع القصاص أو سقط بغير العفو يعزر الجاني بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات.
ونصت المادة (٢٣٥) " إذا عفى ولي الدم مطلقاً أو مجاناً أو بشرط الدية جاز للمحكمة تعزير الجاني بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات ويجوز أن تصل العقوبة إلى الإعدام في هذه الحالة إذا توافر مع القتل أحد الظروف الواردة في الفقرة الثالثة من المادة السابقة " أي المادة (٢٣٤).
ووجه ا لتناقض والتعارض أنه في المادتين أنه في الفقرة (٢) من المادة (٢٣٤) العقوبة تعزيراً مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات والعقوبة التعزيرية في المادة (٢٣٥) الحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات ..الخ.
ولهذا يمكن للقاضي أن يجتهد وينزل عن المدة أربع سنوات أو ثلاث أو سنتان أو سنة أو أقل لأن المادة اشترطت عليه بأن لا تزيد العقوبة على خمس سنوات في حين أن الفقرة (٢) من المادة (٢٣٤) قيدت القاضي بان لا تقل العقوبة على ثلاث سنوات ولا تزيد على عشر سنوات مما يلزم وضع ضوابط وتناسق في النصين أما ما ورد من عقوبة تعزيرية في الفقرة (٣) من المادة (٢٣٤) إذا اقترن بجريمة القتل العمد ظرفاً مشدداً قانونياً فإن العقوبة التعزيرية يجوز أن تصل إلى الإعدام وقد تطابق هذا النص مع نص المادة (٢٣٥) في أخر النص فيها.
إلا أن القاضي قد يجتهد ولا يحكم بالإعدام ويكتفي بعقوبة الحبس فهل يتقيد بمدة الحبس المشار لها في المادة (٢٣٤) الفقرة (٢) عقوبات وهي جوزيه للقاضي ولا بد في مثل هذا النص ان يحدد مدة عشر سنوات أو خمس عشر سنة كعقوبة تعزيرية إذا أقترن في جريمة القتل العمد ظرف قانوني مشدد وذلك منعاً للاجتهاد وعدم الثبات في السياسية العقابية عند التطبيق وذلك كما فعل المشرع اليمني في القانون رقم (٣) لعام ١٩٧٦م.
إن هذا التعارض والتناقض في النصوص من أهم الصعوبات التي تواجه المحاكم عند التطبيق مما يتطلب إعادة النظر فيها وإعادة صياغتها بشكل واضح وجلي منعاً للاجتهاد والتفسير الواسع.
٥- وجود قصور تشريعي في قانون العقوبات رقم (١٢) لعام ٩٤م وقانون الإجراءات الجزائية رقم (١٤) لعام ٩٤م إلى جانب الغموض والتعارض وعدم التسلسل للنصوص المجرمة في الجرائم من نوع معين خاصة قضايا القتل ولكي نساعد القضاة في التطبيق الجيد للقوانين يجب إعطائه الأهمية التي تقتضيها مهامه الخطيرة باعتباره من أهم الأجهزة الذي يمكن من خلاله تحقيق قدر واسع من العدالة وتحقيق ديمقراطية النظام في هذه الجمهورية اليمنية الفتية.
٦- عدم توفر المراجع الفقهية والقانونية ومجلدات الأحكام، والقواعد القضائية والمكتبات المصغرة في كل محكمة التي تساعد على تطوير القضاة وتطوير معارفهم وتمكينهم من الإيداع وعدم الوقوع في الأخطاء عند نظر القضايا الجزائية وغيرها.
٧- عدم وجود عناوين واضحة ومحددة للشهود الذي يسبب ذلك إرباك للقضاة في سير القضايا بشكل سريع ومستمر لأن إطالة الوقت للبحث عن الشهود يعرقل سير قضايا القتل بشكل خاص التي أخذت في التزايد المستمر في مختلف المحاكم مما يستدعي تذليل الصعوبات في هذا الجانب.
٨- ضعف أداء التكنيك الجنائي حيث يعتبر هذا من أهم الأقسام في إدارة البحث الجنائي يساعد على كشف الحقائق وتسهيل مهمة النيابة العامة والمحاكم المختصة التي تنظر قضايا القتل المختلفة كما أن هذا الجهاز لم يعمم في جميع المحافظات التي ترتكب فيها جرائم القتل بكثرة كما أنه على مستوى المحافظات الموجودة بها فإنه لم يتطور إلى المستوى الذي يستطيع من خلاله مواجهة تطور الجريمة وقد يكون هذا ناتج عن نقص في الكوادر المتخصصة وشحه الإمكانات المقدمة له بحيث لم يستطيع القيام بمهامه ومن الضروري تقديم ما يمكن تقديمه للتغلب على الصعوبات والمعوقات وتسهيل مهمة القضاة في أداء رسالتهم.
٩- ضعف أداء الطب الشرعي في مجال التشريع وكشف الحقائق المتعلقة بالجريمة ذلك أن للطب الشرعي أهمية قصوى في تحقيق العدالة وهذا الجهاز كما هو واضح من الممارسة يفتقد إلى الكوادر المؤهلة ونقص في المستلزمات الضرورية التي تمكنه من القيام بواجبه على أحسن وجه.
ولهذا فإنه يقع على عاتق وزارة الداخلية دعم هذه الأجهزة ومساعدتها وتطوير أدائها وتعميم ذلك على جميع المحافظات والمديريات بما يكفل مساعدتها للنيابة العامة والقضاة عند نظر قضايا القتل حيث أن القضاة يعتمدون على تقارير الطب الشرعي في كثير من الحالات المعقدة والصعبة وهذه التقارير تساعد على كشف الجريمة وأسرارها وتوقيع العقوبة العادلة في مواجهة مرتكبي هذه الجرائم الآثمة.
١٠- التصوير لموقع الحادث وأماكن الإصابات وأثار الجريمة أحياناً لا يكون بالشكل المضبوط والدقيق ومع كثرتها فإنها لا تفي بالغرض وبما أن للتصوير أهمية في إمكانية معرفة الحالة والظروف التي ساهمت في ارتكاب الجريمة وإمكانية تحديد الأماكن التي تمكن للشهود مشاهدة هذه الأماكن أو المكان المحدد لمسرح الجريمة ويساعد على تثبيت للأجسام أو للأشياء أو الأدوات ذات العلاقة في الجريمة المرتكبة.
١١- ضعف وعدم التدقيق في إعادة تمثيل الجريمة وهي عادة يتم اتباعها في القضايا الصعبة والمعقدة والتي تهدف منها جهة البحث والنيابة العامة تكوين صورة عامة ودقيقة للزمان والمكان والظروف والجوانب التي لم تفصح الرؤية فيها بشكل دقيق ومقنع وبما أن إعادة تمثيل الجريمة هي وسيلة ناجحة لفحص الأدلة التي تمكن جهة التحقيق من الحصول عليها أو عند اكتشاف أدلة جديدة بشأن هذه الجريمة فيلاحظ أنه عند إعادة تمثيل الجريمة وجود إضافات أحياناً نقص في تسلسل الإحداث مما يضعف الأدلة والقرائن في ثبوت الاتهام أو التقليل من قيمتها ووزنها ولهذا لزم في مثل هذه الحالات تكرار إعادة التمثيل أو بعض منها من أجل معرفة الشكل التقريبي للجريمة ولعملية التحقق في ارتكاب هذه الجريمة بصورة مدروسة وواضحة ويجب التنبيه أن عملية إعادة تمثيل الجريمة تكون في الظروف العادية أما في الحالات التي تكون فيها الظروف والأوضاع خطيرة تؤدي بحياة أو صحة أحد المشاركين فيها المتهم ، الشهود وأسرة المجني عليه والخبراء الشرعيين والمحققين أو القضاة فيلزم أن تتخذ الاحتياطات الأمنية بحيث تكفل سلامة هذا الإجراء المقيد في التحقيق أو المحاكمة لتسهل عملية إقناع القضاة عند نظر الاتهام الموجه للمتهم.
١٣- من الصعوبات التي تواجه المحاكم الجنائية تقارير الطب النفس والعقلي وتعارضها يصل أحياناً في قضايا جزائية معينة إلى وجود أكثر من تقرير للأطباء النفسيين والعقليين يؤكد أحدهم خلو المريض من أي مرض عقلي (الجنون) وأخر يؤكد إصابة المتهم بالجنون في أوقات وأوقات أخرى سليم العقل يعي ويدرك تصرفاته وأفعاله وهذا يسبب أرباكات للقضاة وأن هذه المشكلة المشكلة لن تجد لها حلاً ما لم تكون للمحاكم عدد وافر من الأطباء النفسيين في لجان متخصصة بحيث يعتمد تقاريرهم الجماعية بشأن تشخيص الحالة المرضية للمتهم في قضايا القتل وغيرها ما إذا كانت هذه الحالة سابقة للفعل الجرمي أو لاحقه له وتتمكن هذه المحاكم من خلالها إصدار أحكامها العادلة.
للتنويه المقال مقتبس من بحث لفضيلة القاضي د. محفوظ عمر خميس عضو المحكمة العليا اليمنية